محمد أبو زهرة

3432

زهرة التفاسير

الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ( 4 ) [ الملك ] وقد عذبوا مرات ، كل مرة تتلوها أختها ، عذبوا بعد أحد ، وبعد الخندق ، ومن قبل وبعد بدر ، وفي كل غزوة كانوا يتمنون فيها الخسارة للمؤمنين ، ولقد قال تعالى فيهم : أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 126 ) . و ( السين ) في قوله تعالى سنعذبهم لتأكيد وقوع العذاب المتكرر بهم ، وهو عذاب نفسي وعذاب بدني كما وقع لقريظة ، وعذاب مالي كما وقع لبنى النضير وكل ذلك مع العذاب النفسي المستمر لغيرهم في كل الغزوات حتى تبوك . قال تعالى : ثُمَّ يُرَدُّونَ ثم ينقلبون إلى عذاب عظيم في نار جهنم ، و ( ثم ) هنا في معناها من حيث التفاوت بين عذاب الدنيا وهو مكرر ، وعذاب الآخرة الدائم الذي لا ينته ، ويردون فيها معنى الدفع لهم عن الذي كانوا يحسبونه إلى عذاب عظيم ، والتنكير هنا لتكثيره وشدة آلامه ، كما قال تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ . . . ( 145 ) [ النساء ] . وبعد أن ذكر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ذكر الذين تابوا واعترفوا بذنوبهم . فقال تعالى : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 102 ) . هذا هو الصنف الثالث ، وهم الذين تخلفوا في غزوة تبوك ، فالقسم الأول من المهاجرين والأنصار ومن اتبعوهم بإحسان واقتدوا بهم ، وإن لم يسبقوا سبقهم وهؤلاء ما تخلفوا عن غزوة غزاها النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والقسم الثاني المنافقون الذين تخلفوا وكانوا يتمنون الهزيمة للمؤمنين . والقسم الأخير تخلفوا من غير معذرة ، ولم يدنسوا ألسنتهم بكذبهم ، وأحسوا بكبر ما فعلوا فاعترفوا بذنوبهم وأحسوا بوخز الإثم يحيك في صدورهم ، وكبر أمرهم في أنفسهم عندما نزلت الآيات للمتخلفين ، فجاء بعضهم وربطوا